محمد غازي عرابي
1179
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
سورة الضحى بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة الضحى ( 93 ) : الآيات 1 إلى 11 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَالضُّحى ( 1 ) وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ( 2 ) ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى ( 3 ) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى ( 4 ) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى ( 5 ) أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى ( 6 ) وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدى ( 7 ) وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى ( 8 ) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ ( 9 ) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ ( 10 ) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ( 11 ) [ الضحى : 1 ، 11 ] بين اللّه والمصطفى صلة هي الوحي ، وهذه الصلة وصفها سبحانه في موضع آخر بقوله وما كان لبشر أن يكلمه اللّه إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ، فليس بين الإنسان وربه انفصال ، ولكن الصلة بينهما تكون درجات ، بحسب المقتضى ، ومدى كثافة الحجاب ، فمن الناس من يستمع إلهام الفجور ، وهو صلة ، وسماه ابن عربي الاسم البعيد ، ومنهم من يستمع إلهام التقوى ، وهو صلة وسماه ابن عربي الاسم القريب ، ومنهم من يستمع وحي الرسول الملكي ، وهو اجتباء وسمي صاحبه المجتبى ، ومنهم من يستمع وحي جبريل الروح الأمين ، وهو اصطفاء ، وسمي صاحبه المصطفى . وكان جبريل ينزل على النبي فيكلمه ، وينزل عليه القرآن . وهذا الوحي علمي مخصص للتعليم ، وسمى العلم اللدني ، وهو علم إلهي ، خص اللّه به الأنبياء ، وعلى رأسهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي ما كان ينطق عن الهوى ، وصاحب هذا الوحي تصير صورته صورة اللّه ، ونفسه نفس اللّه ، وإرادته إرادة اللّه ، وسعيه سعي اللّه ، ولهذا جاء في الحديث القدسي صرت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ورجله التي يمشي بها ، ويده التي يبطش بها ، ومن خصائص هذا المقام الرفيع أن يصير الإنسان لسان اللّه ، ولهذا نطق صلّى اللّه عليه وسلّم بالحديث القدسي ، فكان الحق المتكلم ، والنبي اللسان . كما أوتي الوارثون المحمديون هذا المقام فكانوا لسان اللّه ، وصار كلامهم كلام اللّه ، كما كان حال الإمام النفري القائل بوحي اللّه : يا عبد ، تسمع خطابي لك من قلبك ، ولا تعلم أن ذلك الخطاب مني ، ذلك هو البعد ، وقال : ترى نفسك ، وأنا أقرب إليك من نفسك ، ذلك هو البعد ، وقال إن رأيت غيري لم ترني ، وقال : كيف تيأس مني ، وفي قلبك متحدثي وسفيري ، وقال : يا عبد ، لا تصح المحادثة إلا بين ناطق وصامت ، وقال : أنا أقرب من أن يحسني العلم ، وأبعد من أن يدركني .